ريما ترزي.. ملحنة فلسطينية ناضلت بأناشيد عاشت لأكثر من 50 عاما


عدد المشاهدات : 276
تاريخ الخبر : 10-1-2018 

بواسطة

هدير حسن

ما زالت النغمة والنوتة وجرس الموسيقى قادرين على دفن همومها وأحزانها، خمسة وثمانون عاما عمرها الذي تقوله بكل اعتزاز وعلى وجهها بسمة أمل وتفاؤل لم تستطع الأيام والسنوات، رغم ما حملته من صعاب، أن تمحوها، فالملحنة الفلسطينية ما زالت تؤمن أن القادم أفضل.

ولدت ريما ناصر تَرَزي في يافا عام 1932، ولكنها نشأت في بيرزيت، بلدة رام الله التي تلقت بها أول دروس الموسيقى، فعائلة والدها المكونة من عماتها الثمانية ووالدها كان لهم اهتمام بشئون التربية والتعليم، فأنشأوا مدرسة بيرزيت، التي أصبحت فيما بعد الجامعة الفلسطينية الأولى، كما يصنفها Google Scholar، وحازت على المرتبة الـ 29 بين الجامعات العربية.

في السابعة من عمرها، بدأت ريما تعلم الموسيقى على يد سلفادور عرنيطة، وكانت البداية التي جعلتها تلتصق بالنغمات والألحان لبقية سنوات عمرها، خاصة مع أولى خطوات العزف على البيانو، الآلة التي أسرتها. عاشت ريما في بلددتها حياة اعتبرتها منفتحة، ركبت مع صديقاتها الدراجات ونزلن إلى الأسواق بحرية، وفي عام 1947، انتقلت إلى بيروت.

ودرست في جامعة بيروت، وهي ما زالت في الخامسة عشر من عمره، وبعدها بعامين كانت باريس محطتها التالية، حيث قابلت مدرسة فرنسية انبهرت بحبها للموسيقى "قالت لي ياريتك اجيتي (حضرتبي بدري"، فكانت تشجع موهبتها طوال مدة دراستها عام ونصف في فرنسا.

وقت الحرب على إسرائيل، كانت ريما كبنات جيلها تتحمس للدفاع عن وطنها، فاشتركت بالتظاهرات والمسيرات المناهضة، وما زالت تحتفظ بالمقالة التي اشتركت في كتابتها مع زميلة لها في أثناء الحرب، داعيات الفتيات والبنات إلى التخلي عما أسمته "البهرجة"، والعمل على توفير النفقات.

التحقت عام 1952 بالجامعة الأمريكية ببيروت، وحصلت على الشهادة في علم النفس واللغة العربية، وكان لديها حينها رصيد من الأناشيد التي ألفتها ولحنتها مثل الزروق الحائر عام 1948، إلى جانب الألحان التي قدمتها لقصائد شعراء جيلها، أمثال عمر أبو ريشة، ومحمود درويش، وفدوى طوقان، وأبو القاسم الشابي.

أعقب تخرجها الزواج من جراح المخ الدكتور أنطوان تَرَزي، وانتقلت معه إلى كندا عام 1960، وكان البيانو هو أول ما حرصت على أن تشتريه بالمنزل الجديد، كما حاولت تعلم التأليف الموسيقي، ولكنها رُزقت بأبنائها فلم يسعفها الوقت، وبعد العودة، بدأت ريما  تشترك في فعاليات جمعية الشابات المسيحيات.

دربت ريما جوقة الجمعية على الأناشيد والألحان التي ألفتها، ومنها "غضبة فلسطين"، و"أيهذا الشعب"، وكانت الأناشيد تعكس الواقع الذي تعيشه فلسطين في تلك المرحلة، والصراعات التي خاضها الفلسطينيون من أجل حرية وطنهم، فكانت كمن يرسم بالموسيقى والكلمات المعاناة والأحلام.

 محبتها للموسيقى جعلتها تؤمن بضرورة أن يتعلم الأطفال اللحن والنغمات منذ صغرهم، فعكفت على تعليم الأطفال أساسيات الموسيقى بأكثر من مكان، فعملت على تدريب أطفال جمعية إنعاش الأسرة على نغمات البيانو، واحتفلت معهم باليوم العالمي للطفل عام 1979، بأغنية "نيالك يا عصفور"، التي استمرت شهرتها لسنوات طوال في فلسطين.

بالتعاون مع أربعة موسيقيين، هم سلوى تابري، نادية عبوشي، أمين ناصرن وسهيل خوري، حققت ريما الحلم بإنشاء معهد لتعليم الموسيقى، فأسست معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى عام 1993، على أن يكون تابعا لجامعة بيرزيت، وبعد أن بدأ عمله بـ 40 طالبا، وصلوا الآن إلى 700، استطاعت ريما من خلاله أن تنشر حب الموسيقى وتعلمها في رام الله، وتشرف حاليا على إنشاء مبناه الجديد.

نشرت ريما أنشوداتها في البوم تحت اسم "إلى متى؟"، ونشرت مجلد بعنوان "أغاني الحرية والأمل"، وتعكف على تدوين وتوثيق جميع مقطوعاتها الموسيقية، التي أدت أغلبها تانيا تماري ناصر. كان لريما إسهاماتها في المؤسسات الأهلية، فتولت رئاسة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، وعضو مجلس أمناء جامعة بيرزيت.

 

 

الاهتمام الموسيقي، الذي أصبح جزءا من حياتي، والموسيقى الكلاسيكية التي تنحاز لها، وتستطيع أن تستحوذ على كل شعورها بمجرد سماعها "وقت ما بتشتغل بحس الدنيا جميلة، وكأن العالم كله اختفى"، لم يجعلها تغفل أسرتها وأحفادها الذين تحرص على أن تزرع بهم حب الموسيقى والفن، إلى جانب اهتمامها بأن تكون الأناشيد، التي ما زالت تعزفها وتؤلفها إلى الآن، محملة بالتفاؤل والأمل مهما كانت قسوة الواقع.

كان لها في كل مناسبة لحن وأنشودة، فكتبت ولحنت أغنية إلى أسرى سجن نفحة الصحراوي، وقدمت "من أنا"، و"القدس عربية" و"أحلام شعبي"، و"إلى متى"، و"انثروا الأزهار"، و"صلاة"، و"احلم بالربيع"، و"لن يقتلوني"، ومازالت تقدم الكثير للموسيقى، التي تأسر روحها وتمتلكها.



الأكثر مشاهدة

خمس حواس