نجلا أشرف تكتب: فلسفة جدتي في الحياة والحب !


عدد المشاهدات : 6041
تاريخ الخبر : 12-8-2016 

بواسطة

احكي

كانت جدتي كل يوم تجلس بعد صلاة الفجر تدعوا لنا، ليس فقط بناتها الأربعة وأحفادها الستة، بل كل من تعرفهم ولا تعرفهم، لا يخلو حبيب من دعائها، ولا تترك أي محتاج لمساعدة أو استشارة إلا ولبتها...

كانت جميلة كزهرة برية وسط الصحراء تنمو بأقل ماء موجود وتزهر لتسعد كل من حولها.

كلما اتذكرها ابتسم وادعوا لها لأنه لا يوجد أحد الآن يفعل ما كانت تفعله لنا ولا يحمل كم الود والحنان وإيثار الغير على نفسها.

قررت أن لا أذهب للعمل اليوم وأعددت كوبي المفضل من الشاي بلبن، الذي أصبحت نادرًا ما أستطيع إعداده في المنزل صباحًا واستمتع به بلا ضغوط أو استعجال لألحق بدائرة المتطلبات اليومية التي لا تنتهي من ذهاب للعمل "في الميعاد المحدد" بعد معركتي اليومية مع منبه الموبايل ليعطيني 5 دقائق إضافية استعيد فيهم وعيي، ثم شراء ما يحتاجه المنزل، وأخيرًا عمل الطعام في ما يقرب الثامنة أو التاسعة مساءً إذا استطعت بعد يوم طويل من العمل. فينتهي يومي قبل أن يبدأ.

فتحت شرفة منزلي (البلكونة) ودخلت اتفقد الزرع الذي كانت ترعاه والدتي رحمها الله ولم أعد أهتم به كما كانت تفعل، فتظهر عليه بعض آثار الإصفرار والصمود وكأنه يعاتبني أنني أنساه دائمًا ولا أحدثه بكلمات حانية كما كانت تفعل هي.. حاولت تجاهله وجلست أحاول الاستمتاع بكوب الشاي بلبن والجو الهادئ. وكالعادة لا أعطي عقلي مدة كافية للاسترخاء وعدم التفكير بأي شيء، فتذكرت مكالمة صديقة والدتي البارحة والتي شعرت فيها بحنينها إليها، فهي تشتاقها مثلي وإن كانت لا تبوح بذلك. فكل يوم يمر بدونها يكون باهتًا بلا حضن دافئ أو إشراقة الصباح المبهجة التي كانت توقظني بها. وسط ثرثرة عادية نسائية وجدتها تقول لي أن جدتي -رحمة الله عليها- أيضًا قالت لها زمان قبل خطبة أبي لأمي أن البنت إذا لم تتزوج في سن مبكر تصبح مستقلة أكثر من اللازم مما يصعب عليها بعد ذلك أن يشاركها أحد في قرارتها وحياتها وحتى الأمور الصغيرة كإطفاء النور قبل النوم أو الرجوع مبكرًا لأن هنالك من ينتظرك!!

الحياة ليست سهلة وأنت وحدك بالطبع ولكنها أيضًا لها متعتها الخاصة، في بعض الأيام يكون مملًا للغاية أن تذهب مباشرة كل يوم من العمل للمنزل والعكس، وبرغم محاولة كسر الملل بخروج الأصدقاء والتسوق والسفر إلا أن هناك مساحة خالية لا تكملها هذه الفراغات فنسعى أن نملئها بعمل أشياء عديدة نستمتع بها بوقتنا أكثر ونحب بها أنفسنا أكثر لنستطيع أن نحب غيرنا كما يستحقوا وليس بما نستطيع تقديمه فقط. فنتعود على أن نكون مشغولين باستمرار ما بين أعمال تطوعية وتنظيم أحداث مختلفة للأصحاب لإسعادهم وسعي لاكتشاف أنفسنا أكثر بتعلم أشياء جديدة كنا نحبها في الماضي. نحاول أن نستميل الشغف ليحن علينا ويشرق بداخلنا من جديد بعد بهوت ألوانه. ومنا من يجده فيسعد ومنا من يظل يبحث عنه. بعد معايشة تلك الحياة يصبح من الصعب جدًا إقحام أحد في حياتنا، أو التخلي عن المملكة الفردية الخاصة لمجرد حمل لقب "مدام" بدل أنسة والذي قد يطلقه علي مسبقًا البواب وسائق التاكسي وأمنع نفسي بقوة قبل أن أغتالهما.

قد تكون جدتي محقة يصبح من الصعب أن نتخلى عن جزء من احتياجاتنا وأحلامنا لنشارك شخص أخر حياتنا، ولكن أيضًا لابد أن يبذل ذلك الشخص نفس المجهود لتكون حياتنا مبهجة وتستحق أن نعيشها، فبدل أن يتحول سيناريو الفيلم من أن البطل يعود وحده لمنزله بائسًا، يتحول لأن يعود الزوج والزوجة بائسين يتعشون في صمت وقد أنتهى الشغف والسكن بينهما ليتحول لإجراء روتيني اسمه الزواج من أجل البقاء، ومن أجل التخلص من شبح كلمة "عانس". للهروب من الوحدة والدخول في وحدة اكبر إذا لم نحسن أختيار من نسكن بمشاركته حياتنا. من يكون سندًا وعونًا وليس مجرد شكل إجتماعي مفرغ من المشاعر.

ولكن أيضًا لا يوجد عيب بالاستقلالية بل بالعكس قد يكون مريحًا للطرفين أن لا يعتمدوا على بعضهم البعض اعتماد كلي، ولكن العلاقة عندما تكون بين ناضجين مدركين مسئولياتهم واحتياجتهم تسهل الكثير من هدر الطاقة في محادثات وجدال لا معنى له، في أشياء تافهة يتجاوزوها سويًا إذا أردوا أن يتنازلوا عن حياة "العزوبية" ليدخلوا ونس الزوجية وليس عالم  عكننة وحرقة دم ...

قد يدفع البعض احتياجهم للاهتمام والشعور بالأمان إلى قبول مجازفة زواج غير مناسب سواء لعدم توافق الصفات بحجة أن الشخص ستغيره السنين وتلك كذبة معروفة (لا أحد يتغير بعد الزواج)، وينتج عن ذلك إما طلاق أو الاستمرار بحياة باهتة بلا سكينة أو دفئ. ولكنه أشبه بتناول المهدئات التي قد يزيد تناولها لدرجة أنها لا تؤثر في تحسين حالة الفرد النفسية وقد تسبب الاكتئاب والانتحار فيما بعد!

ولكني أميل لهدوء الانتظار والاستمتاع بكل لحظة استقلال في أي ظرف كان سواء قبل الزواج أو بعده، لأن التحرر من قيود النفس والمجتمع والعادات غير المفهومة جدير بأن يعاد النظر فيه مرة أخرى لتختار ما يناسب حياتك الآن. لم يعد العودة بعد الثانية عشر مساءً دليل على إنحراف البنت، قد تعود في الخامسة عصرًا وقد فعلت كل ما يحلو لها وقد تعود في الواحدة صباحًا بعد أن حضرت درس ديني متأخر، او زارت صديقة لها.

أن تنال جمال التوفيق في شريك مناسب ليس له علاقة معينة بسن معين أو مدة معينة تقضيها مستقل، ستكون مختلفًا لا شك، ولكنه اختلاف جميل يزيدك جمالًا وبريقًا بأنك أقوى وأكثر حيوية وانطلاقًا، لن تعتمدي على أحد بالحد الخانق ولن تعيشي في جزيرة منعزلة عن من تشاركيه حياتك. بالطبع الأمر سيكون صعبًا في البداية، ولكنه ليس مستحيلًا!



الأكثر مشاهدة

خمس حواس